مفاتیح الغیب (ابوعبدالله محمد بن عمر فخرالدين رازى)

[سورة آل‏عمران (3): آية 61]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
اعلم أن اللّه تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى/ بالزوجة و الولد، و أتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام، و ختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، و هو أنه لما لم يلزم من عدم الأب و الأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً للّه تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً للّه، تعالى اللّه عن ذلك و لما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام، و من أنصف و طلب الحق، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى، فعند ذلك قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ بعد هذه الدلائل الواضحة و الجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم و عاملهم بما يعامل به المعاند، و هو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ إلى آخر الآية، ثم هاهنا مسائل:

المسألة الأولى: اتفق أني حين كنت بخوارزم، أخبرت أنه جاء نصراني يدعي التحقيق و التعمق في مذهبهم، فذهبت إليه و شرعنا في الحديث و قال لي: ما الدليل على نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم، فقلت له كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى و عيسى و غيرهما من الأنبياء عليهم السلام، نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد صلى اللّه عليه و سلم، فإن رددنا التواتر، أو قبلناه لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق، فحينئذ بطلت نبوّة سائر الأنبياء عليهم السلام، و إن اعترفنا بصحة التواتر، و اعترفنا بدلالة المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد وجب الاعتراف قطعاً بنبوّة محمد عليه السلام ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء في حصول المدلول، فقال النصراني:

أنا لا أقول في عيسى عليه السلام إنه كان نبياً بل أقول إنه كان إلهاً، فقلت له الكلام في النبوّة لا بد و أن يكون مسبوقاً بمعرفة الإله و هذا الذي تقوله باطل و يدل عليه أن الإله عبارة عن موجود واجب الوجود لذاته، يجب أن لا يكون جسماً و لا متحيزاً و لا عرضا و عيسى عبارة عن هذا الشخص البشري الجسماني الذي وجد بعد أن كان معدوماً و قتل بعد أن كان حياً على قولكم و كان طفلا أولًا، ثم صار مترعرعا، ثم صار شاباً، و كان يأكل و يشرب و يحدث و ينام و يستيقظ، و قد تقرر في بداهة العقول أن المحدث لا يكون قديماً و المحتاج لا يكون غنياً و الممكن لا يكون واجباً و المتغير لا يكون دائماً.

و الوجه الثاني: في إبطال هذه المقالة أنكم تعترفون بأن اليهود أخذوه و صلبوه و تركوه حياً على الخشبة، و قد مزقوا ضلعه، و أنه كان يحتال في الهرب منهم، و في الاختفاء عنهم، و حين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع الشديد، فإن كان إلهاً أو كان الإله حالًا فيه أو كان جزءا من الإله حاك فيه، فلم لم يدفعهم عن نفسه؟ و لم لم يهلكهم بالكلية؟ و أي حاجة به إلى إظهار الجزع منهم و الاحتيال في الفرار منهم! و باللّه أنني لأتعجب جدا! إن العاقل كيف يليق به أن يقول هذا القول و يعتقد صحته، فتكاد أن تكون بديهة العقل شاهدة بفساده.
و الوجه الثالث: و هو أنه: إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله و جزء منه فيه و الأقسام الثلاثة باطلة أما الأول: فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم، فحين قتله اليهود كان ذلك قولًا بأن اليهود قتلوا إله العالم، فكيف بقي العالم بعد ذلك من غير إله! ثم إن أشد الناس ذلًا و دناءة اليهود، فالإله الذي تقتله اليهود إله في غاية العجز! و أما الثاني: و هو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم، فهو أيضاً فاسد، لأن الإله لم يكن جسماً و لا عرضاً امتنع حلوله في الجسم، و إن كان جسماً، فحينئذ يكون حلوله في جسم آخر عبارة عن اختلاط أجزاءه بأجزاء ذلك الجسم، و ذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله، و إن كان عرضاً كان محتاجا إلى المحل، و كان الإله محتاجاً إلى غيره، و كل ذلك سخف، و أما الثالث: و هو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله، و جزء من أجزائه، فذلك أيضا محال لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلهية، فعند انفصاله عن الإله، وجب أن لا يبقى الإله إلهاً، و إن لم يكن معتبر في تحقق الإلهية، لم يكن جزأ من الإله، فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلًا.
الوجه الرابع: في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى عليه السلام كان عظيم الرغبة في العبادة و الطاعة للّه تعالى، و لو كان إلهاً لاستحال ذلك، لأن الإله لا يعبد نفسه، فهذه وجوه في غاية الجلاء و الظهور، دالة على فساد قولهم، ثم قلت للنصراني: و ما الذي دلك على كونه إلهاً؟ فقال الذي دل عليه ظهور العجائب عليه من إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص، و ذلك لا يمكن حصوله إلا بقدرة الإله تعالى، فقلت له هل تسلم إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول أم لا؟ فإن لم تسلم لزمك من نفي العالم في الأزل نفي الصانع، و إن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فأقول: لما جوّزت حلول الإله في بدن عيسى عليه السلام، فكيف عرفت أن الإله ما حل في بدني و بدنك و في بدن كل حيوان و نبات و جماد؟ فقال: الفرق ظاهر، و ذلك لأني إنما حكمت بذلك الحلول، لأنه ظهرت تلك الأفعال العجيبة عليه، و الأفعال العجيبة ما ظهرت على يدي و لا على يدك، فعلمنا أن ذلك الحلول مفقود هاهنا، فقلت له: تبين الآن أنك ما عرفت معنى قولي إنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، و ذلك لأن ظهور تلك الخوارق دالة على حلول الإله في بدن عيسى: فعدم ظهور تلك الخوارق مني و منك ليس فيه إلا أنه لم يوجد ذلك الدليل، فإذا ثبت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول لا يلزم من عدم ظهور تلك الخوارق مني و منك عدم الحلول في حقي و في حقك، و في حق الكلب و السنور و الفأر ثم قلت: إن مذهباً يؤدي القول به إلى تجويز حلول ذات اللّه في بدن الكلب و الذباب لفي غاية الخسة و الركاكة.
الوجه الخامس: أن قلب العصا حية، أبعد في العقل من إعادة الميت حياً، لأن المشاكلة/ بين بدن الحي و بدن الميت أكثر من المشاكلة بين الخشبة و بين بدن الثعبان، فإذا لم يوجب قلب العصا حية كون موسى إلهاً و لا ابناً للإله، فبأن لا يدل إحياء الموتى على الإلهية كان ذلك أولى، و عند هذا انقطع النصراني و لم يبق له كلام و اللّه أعلم.


المسألة الثانية:
روي أنه عليه السلام لما أورد الدلائل على نصارى نجران، ثم إنهم أصروا على جهلهم، فقال عليه السلام: «إن اللّه أمرني إن لم تقبلوا الحجة أن أباهلكم» فقالوا: يا أبا القاسم، بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فلما رجعوا قالوا للعاقب: و كان ذا رأيهم، يا عبد المسيح ما ترى، فقال: و اللّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أن محمداً نبي مرسل، و لقد جاءكم بالكلام الحق في أمر صاحبكم، و اللّه ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم و لئن فعلتم لكان الاستئصال فإن أبيتم إلا الإصرار على دينكم و الإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم و كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج و عليه مرط من شعر أسود، و كان قد احتضن الحسين و أخذ بيد الحسن، و فاطمة تمشي خلفه، و علي رضي اللّه عنه خلفها، و هو يقول، إذا دعوت فأمنوا، فقال أسقف نجران:
يا معشر النصارى، إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، ثم قالوا: يا أبا القاسم، رأينا أن لا نباهلك و أن نقرك على دينك فقال صلوات اللّه عليه: فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين، و عليكم ما على المسلمين، فأبوا، فقال:
فإني أناجزكم القتال، فقالوا ما لنا بحرب العرب طاقة، و لكن نصالحك على أن لا تغزونا و لا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل عام ألفي حلة: ألفا في صفر، و ألفا في رجب، و ثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، و قال: و الذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران، و لو لاعنوا لمسخوا قردة و خنازير، و لاضطرم عليهم الوادي ناراً، و لاستأصل اللّه نجران و أهله، حتى الطير على رؤوس الشجر، و لما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا،
و
روي أنه عليه السلام لما خرج في المرط الأسود، فجاء الحسن رضي اللّه عنه فأدخله، ثم جاء الحسين رضي اللّه عنه فأدخله ثم فاطمة، ثم علي رضي اللّه عنهما ثم قال: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الأحزاب: 33]
و اعلم أن هذه الرواية كالمتفق على صحتها بين أهل التفسير و الحديث.


المسألة الثالثة: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ أي في عيسى عليه السلام، و قيل: الهاء تعود إلى الحق، في قوله الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ‏ [هود: 17] مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [البقرة: 145] بأن عيسى عبد اللّه و رسوله عليه السلام و ليس المراد هاهنا بالعلم نفس العلم لأن العلم الذي في قلبه لا يؤثر في ذلك، بل المراد بالعلم ما ذكره بالدلائل العقلية، و الدلائل الواصلة إليه بالوحي و التنزيل، فقل تعالوا: أصله تعاليوا، لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة على الياء، فسكنت، ثم حذفت لاجتماع الساكنين، و أصله العلو و الارتفاع،/ فمعنى تعالى ارتفع، إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجي‏ء، و صار بمنزلة هلم.
المسألة الرابعة: هذه الآية دالة على أن الحسن و الحسين عليهما السلام كانا ابني رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، وعد أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن و الحسين، فوجب أن يكونا ابنيه، و مما يؤكد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام وَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَ سُلَيْمانَ [الأنعام: 84] إلى قوله وَ زَكَرِيَّا وَ يَحْيى‏ وَ عِيسى‏ [الأنعام: 85] و معلوم أن عيسى عليه السلام إنما انتسب إلى إبراهيم عليه السلام بالأم لا بالأب، فثبت أن ابن البنت قد يسمى ابناً و اللّه أعلم.
المسألة الخامسة: كان في الري رجل يقال له: محمود بن الحسن الحمصي، و كان معلم الاثنى عشرية، و كان يزعم أن علياً رضي اللّه عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد عليه السلام، قال: و الذي يدل عليه قوله تعالى: وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ و ليس المراد بقوله وَ أَنْفُسَنا نفس محمد صلى اللّه عليه و سلم لأن الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد به غيره، و أجمعوا على أن ذلك الغير كان علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه، فدلت الآية على أن نفس علي هي نفس محمد، و لا يمكن أن يكون المراد منه، أن هذه النفس هي عين تلك النفس، فالمراد أن هذه النفس مثل تلك النفس، و ذلك يقتضي الاستواء في جميع الوجوه، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوة، و في حق الفضل لقيام الدلائل على أن محمداً عليه السلام كان نبياً و ما كان علي كذلك، و لانعقاد الإجماع على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من علي رضي اللّه عنه، فيبقى فيما وراءه معمولًا به، ثم الإجماع دل على أن محمداً عليه السلام كان أفضل من سائر الأنبياء عليهم السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء، فهذا وجه الاستدلال بظاهر هذه الآية، ثم قال: و يؤيد الاستدلال بهذه الآية، الحديث المقبول عند الموافق و المخالف، و هو
قوله عليه السلام: «من أراد أن يرى آدم في علمه، و نوحاً في طاعته، و إبراهيم في خلته، و موسى في هيبته، و عيسى في صفوته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه»
فالحديث دل على أنه اجتمع فيه ما كان متفرقاً فيهم، و ذلك يدل على أن علياً رضي اللّه عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمد صلى اللّه عليه و سلم، و أما سائر الشيعة فقد كانوا قديماً و حديثاً يستدلون بهذه الآية على أن علياً رضي اللّه عنه مثل نفس محمد عليه السلام إلا فيما خصه الدليل، و كان نفس محمد أفضل من الصحابة رضوان اللّه عليهم، فوجب أن يكون نفس علي أفضل أيضاً من سائر الصحابة، هذا تقدير كلام الشيعة، و الجواب: أنه كما انعقد الإجماع بين المسلمين على أن محمداً عليه السلام أفضل من علي، فكذلك انعقد الإجماع بينهم قبل ظهور هذا الإنسان، على أن النبي أفضل ممن ليس بنبي، و أجمعوا على أن علياً رضي اللّه عنه ما كان نبياً، فلزم القطع بأن ظاهر الآية كما أنه مخصوص في حق محمد صلى اللّه عليه و سلم، فكذلك مخصوص في حق سائر الأنبياء عليهم السلام.


المسألة السادسة: قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل، كما يقال اقتتل القوم و تقاتلوا و اصطحبوا و تصاحبوا، و الابتهال فيه وجهان أحدهما: أن الابتهال هو الاجتهاد في الدعاء، و إن لم يكن باللعن، و لا يقال: ابتهل في الدعاء إلا إذا كان هناك اجتهاد و الثاني: أنه مأخوذ من قولهم عليه بهلة اللّه، أي لعنته و أصله مأخوذ مما يرجع إلى معنى اللعن، لأن معنى اللعن هو الإبعاد و الطرد و بهله اللّه، أي لعنه و أبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله و ناقة باهل لا صرار عليها، بل هي مرسلة مخلاة، كالرجل الطريد المنفي، و تحقيق معنى الكلمة: أن البهل إذا كان هو الإرسال و التخلية فكان من بهله اللّه فقد خلاه اللّه و وكله إلى نفسه و من وكله إلى نفسه فهو هالك لا شك فيه فمن باهل إنساناً، فقال: علي بهلة اللّه إن كان كذا، يقول: وكلني اللّه إلى نفسي، و فرضني إلى حولي و قوتي، أي من كلاءته و حفظه، كالناقة الباهل التي لا حافظ لها في ضرعها، فكل من شاء حلبها و أخذ لبنها لا قوة لها في الدفع عن نفسها، و يقال أيضاً: رجل باهل، إذا لم يكن معه عصًا، و إنما معناه أنه ليس معه ما يدفع عن نفسه، و القول الأول أولى، لأنه يكون قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثم نجتهد في الدعاء، و نجعل اللعنة على الكاذب و على القول الثاني يصير التقدير: ثم نبتهل، أي ثم نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ و هي تكرار، بقي في الآية سؤالات أربع.


السؤال الأول: الأولاد إذا كانوا صغاراً لم يجز نزول العذاب بهم و قد ورد في الخبر أنه صلوات اللّه عليه أدخل في المباهلة الحسن و الحسين عليهما السلام فما الفائدة فيه؟.
و الجواب: إن عادة اللّه تعالى جارية بأن عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد و النساء، فيكون ذلك في حق البالغين عقاباً، و في حق الصبيان لا يكون عقاباً، بل يكون جارياً مجرى إماتتهم و إيصال الآلام و الأسقام إليهم و معلوم أن شفقة الإنسان على أولاده و أهله شديدة جداً فربما جعل الإنسان نفسه فداءً لهم وجنة لهم، و إذا كان كذلك فهو عليه السلام أحضر صبيانه و نساءه مع نفسه و أمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ليكون ذلك أبلغ في الزجر و أقوى في تخويف الخصم، و أدل على وثوقه صلوات اللّه عليه و على آله بأن الحق معه.


السؤال الثاني: هل دلت هذه الواقعة على صحة نبوّة محمد صلى اللّه عليه و سلم؟.
الجواب: أنها دلّت على صحة نبوته عليه السلام من وجهين أحدهما: و هو أنه عليه السلام خوفهم بنزول العذاب عليهم، و لو لم يكن واثقاً بذلك، لكان ذلك منه سعياً في إظهار كذب نفسه لأن بتقدير: أن يرغبوا في مباهلته، ثم لا ينزل العذاب، فحينئذ كان يظهر كذبه فيما أخبر و معلوم أن محمداً صلى اللّه عليه و سلم كان من أعقل الناس، فلا يليق به أن يعمل عملًا يفضي إلى ظهور كذبه فلما أصر على ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقاً بنزول العذاب عليهم و ثانيهما: إن القوم لما تركوا مباهلته، فلولا أنهم عرفوا من التوراة و الإنجيل ما يدل على نبوته، و إلا لما/ أحجموا عن مباهلته.
فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: إنهم كانوا شاكين، فتركوا مباهلته خوفاً من أن يكون صادقاً فينزل بهم ما ذكر من العذاب؟.
قلنا هذا مدفوع من وجهين الأول: أن القوم كانوا يبذلونه النفوس و الأموال في المنازعة مع الرسول عليه الصلاة و السلام، و لو كانوا شاكين لما فعلوا ذلك الثاني: أنه قد نقل عن أولئك النصارى أنهم قالوا: إنه و اللّه هو النبي المبشر به في التوراة و الإنجيل، و إنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة كان لأجل علمهم بأنه نبي مرسل من عند اللّه تعالى.
السؤال الثالث: أ ليس إن بعض الكفار اشتغلوا بالمباهلة مع محمد صلى اللّه عليه و سلم؟ حيث قالوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[الأنفال: 32] ثم إنه لم ينزل العذاب بهم ألبتة، فكذا هاهنا، و أيضاً فبتقدير نزول العذاب، كان ذلك مناقضاً لقوله وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33].
و الجواب: الخاص مقدم على العام، فلما أخبر عليه السلام بنزول العذاب في هذه السورة على التعيين وجب أن يعتقد أن الأمر كذلك.


السؤال الرابع: قوله إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ هل هو متصل بما قبله أم لا؟.
و الجواب: قال أبو مسلم: إنه متصل بما قبله و لا يجوز الوقف على قوله الْكاذِبِينَ و تقدير الآية فنجعل لعنة اللّه على الكاذبين بأن هذا هو القصص الحق و على هذا التقدير كان حق (إن) أن تكون مفتوحة، إلا أنها كسرت لدخول اللام في قوله لَهُوَ كما في قوله إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ [العاديات: 11] و قال الباقون:
الكلام تم عند قوله عَلَى الْكاذِبِينَ و ما بعده جملة أخرى مستقلة غير متعلقة بما قبلها و اللّه أعلم.

فخر رازی، قرن ششم