التبيان فى تفسير القرآن‏ (محمد بن حسن طوسى‏)

قوله تعالى: [سورة آل‏عمران (3): آية 61]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
آية بلا خلاف.


المعنى:
الهاء في قوله: «فيه» يحتمل أن تكون عائدة إلى أحد أمرين:
أحدهما- إلى عيسى في قوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ» في قول قتادة.
الثاني- أن تكون عائدة على الحق في قوله «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ». و الذين دعاهم النبي (ص) في المباهلة نصارى نجران، و لما نزلت الآية أخذ النبي (ص) بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، ثم دعا النصارى إلى المباهلة، فاحجموا عنها، و أقروا بالذلة و الجزية. و يقال: إن بعضهم قال لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي ناراً عليكم و لم يبق نصراني و لا نصرانية إلى يوم القيامة.
و روي أن النبي (ص) قال لأصحابه: مثل ذلك. و لا خلاف بين أهل العلم أنهم لم يجيبوا إلى المباهلة.

اللغة، و المعنى:
«و تعالوا» أصله من العلو، يقال منه تعاليت أتعالى تعالياً: إذا جئت و أصله المجي‏ء إلى الارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار لكل مجي‏ء و صار تعالى بمنزلة هلم. و قيل في معنى الابتهال قولان:
أحدهما- الالتعان بهله اللَّه أي لعنه و عليه بهلة اللّه. الثاني «نبتهل» ندعوا بهلاك الكاذب.
و قال لبيد: نظر الدهر إليهم فابتهل.
أي دعا عليهم بالهلاك كاللعن، و هو المباعدة من رحمة اللَّه عقاباً على معصيته فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك، و قال أبو بكر الرازي: الآية تدل على أن الحسن و الحسين ابناه، و أن ولد البنت ابن على الحقيقة. و قال ابن أبي علان: فيها دلالة على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين.
و استدل أصحابنا بهذه الآية على أن أمير المؤمنين (ع) كان أفضل الصحابة من وجهين:
أحدهما- أن موضوع المباهلة ليتميز المحق من المبطل و ذلك لا يصح أن يفعل إلا بمن هو مأمون الباطن مقطوعاً على صحة عقيدته أفضل الناس عند اللَّه.
و الثاني- أنه (ص) جعله مثل نفسه بقوله: «وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ» لأنه أراد بقوله «أبناءنا» الحسن و الحسين (ع) بلا خلاف. و بقوله: «وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ» فاطمة (ع) و بقوله: «و أنفسنا» أراد به نفسه، و نفس علي (ع) لأنه لم يحضر غيرهما بلا خلاف، و إذا جعله مثل نفسه، وجب ألا يدانيه أحد في الفضل، و لا يقاربه. و متى قيل لهم أنه أدخل في المباهلة الحسن و الحسين (ع) مع كونهما غير بالغين و غير مستحقين للثواب، و إن كانا مستحقين للثواب لم يكونا أفضل الصحابة. قال لهم أصحابنا: إن الحسن و الحسين (ع). كانا بالغين مكلفين، لأن البلوغ و كمال العقل لا يفتقر إلى شرط مخصوص، و لذلك تكلم عيسى في المهد بما دل على كونه مكلفاً عاقلا، و قد حكيت ذلك عن امام من أئمة المعتزلة مثل ذلك و قالوا أيضاً أعني أصحابنا: إنهما كانا أفضل الصحابة بعد أبيهما وجدهما، لأن كثرة الثواب ليس بموقوف على كثرة الافعال، فصغر سنهما لا يمنع من أن يكون‏ معرفتهما و طاعتهما للَّه، و إقرارهما بالنبي (ص) وقع على وجه يستحق به من الثواب ما يزيد على ثواب كل من عاصرهما سوى جدهما و أبيهما. و قد فرغنا الكلام في ذلك و استقصيناه في كتاب الامامة.