الميزان فى تفسير القرآن‏ (علامه سيد محمد حسين‏ طباطبايى)

[سورة آل‏ عمران (3): الآيات 61 الى 63]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)


بيان‏
قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، الفاء للتفريع، و هو تفريع المباهلة على التعليم الإلهي بالبيان البالغ في أمر عيسى بن مريم ع مع ما أكده في ختمه بقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. و الضمير في قوله: فِيهِ راجع إلى عيسى أو إلى الحق المذكور في الآية السابقة.
و قد كان البيان السابق منه تعالى مع كونه بيانا إلهيا لا يرتاب فيه مشتملا على البرهان الساطع الذي يدل عليه قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ الآية، فالعلم الحاصل فيه علم من جهة البرهان أيضا، و لذلك كان يشمل أثره رسول الله ص و غيره من كل سامع فلو فرض تردد من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحيا إلهيا لم يجز الارتياب فيه من جهة كونه برهانا يناله العقل السليم، و لعله لذلك قيل: من بعد ما جاءك من العلم و لم يقل: من بعد ما بيناه لهم.
و هاهنا نكتة أخرى و هي أن في تذكيره ص بالعلم تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله، و أن ربه ناصره و غير خاذله البتة.

قوله تعالى: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ، المتكلم مع الغير في قوله: نَدْعُ، غيره في قوله: أَبْناءَنا و نِساءَنا و أَنْفُسَنا فإنه في الأول مجموع المتخاصمين من جانب الإسلام و النصرانية، و في الثاني و ما يلحق به من جانب الإسلام، و لذا كان الكلام في معنى قولنا: ندع الأبناء و النساء و الأنفس فندعو نحن أبناءنا و نساءنا و أنفسنا و تدعون أنتم أبناءكم و نساءكم و أنفسكم، ففي الكلام إيجاز لطيف.
و المباهلة و الملاعنة و إن كانت بحسب الظاهر كالمحاجة بين رسول الله و بين رجال النصارى لكن عممت الدعوة للأبناء و النساء ليكون أدل على اطمينان الداعي بصدق دعواه و كونه على الحق لما أودعه الله سبحانه في قلب الإنسان من محبتهم و الشفقة عليهم فتراه يقيهم بنفسه، و يركب الأهوال و المخاطرات دونهم، و في سبيل حمايتهم و الغيرة عليهم و الذب عنهم، و لذلك بعينه قدم الأبناء على النساء لأن محبة الإنسان بالنسبة إليهم أشد و أدوم.
و من هنا يظهر فساد ما ذكره بعض المفسرين: أن المراد بقوله: نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ «إلخ» ندع نحن أبناءكم و نساءكم و أنفسكم، و تدعوا أنتم أبناءنا و نساءنا و أنفسنا. و ذلك لإبطاله ما ذكرناه من وجه تشريك الأبناء و النساء في المباهلة.
و في تفصيل التعداد دلالة أخرى على اعتماد الداعي و ركونه إلى الحق، كأنه يقول: ليباهل الجمع الجمع فيجعل الجمعان لعنة الله على الكاذبين حتى يشمل اللعن و العذاب الأبناء و النساء و الأنفس فينقطع بذلك دابر المعاندين، و ينبت أصل المبطلين. و بذلك يظهر أن الكلام لا يتوقف في صدقه على كثرة الأبناء و لا على كثرة النساء و لا على كثرة الأنفس فإن المقصود الأخير أن يهلك أحد الطرفين بمن عنده من صغير و كبير، و ذكور و إناث، و قد أطبق المفسرون و اتفقت الرواية و أيده التاريخ: أن رسول الله ص حضر للمباهلة و لم يحضر معه إلا علي و فاطمة و الحسنان ع فلم يحضر لها إلا نفسان و ابنان و امرأة واحدة و قد امتثل أمر الله سبحانه فيها.
على أن المراد من لفظ الآية أمر، و المصداق الذي ينطبق عليه الحكم بحسب الخارج أمر آخر، و قد كثر في القرآن الحكم أو الوعد و الوعيد للجماعة، و مصداقه بحسب شأن النزول واحد كقوله تعالى: «الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ» الآية: المجادلة- 2، و قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا»: المجادلة- 3، و قوله تعالى: «لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ»: آل عمران- 181، و قوله تعالى: «وَ يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ»: البقرة- 219، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وردت بلفظ الجمع و مصداقها بحسب شأن النزول مفرد.
قوله تعالى: ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ،- الابتهال- من البهلة بالفتح و الضم و هي اللعنة، هذا أصله ثم كثر استعماله في الدعاء و المسألة إذا كان مع إصرار و إلحاح.
و قوله: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ، كالبيان للابتهال، و قد قيل: فنجعل، و لم يقل، فنسأل إشارة إلى كونها دعوة غير مردودة حيث يمتاز بها الحق من الباطل على طريق التوقف و الابتناء.
و قوله: الْكاذِبِينَ مسوق سوق العهد دون الاستغراق أو الجنس إذ ليس المراد جعل اللعنة على كل كاذب أو على جنس الكاذب بل على الكاذبين الواقعين في أحد طرفي المحاجة الواقعة بينه ص و بين النصارى حيث‏ قال ص: إن الله لا إله غيره و إن عيسى عبده و رسوله، و قالوا: إن عيسى هو الله أو إنه ابن الله- أو إن الله ثالث ثلاثة.
و على هذا فمن الواضح أن لو كانت الدعوى و المباهلة عليها بين النبي ص و بين النصارى أعني كون أحد الطرفين مفردا و الطرف الآخر جمعا كان من الواجب التعبير عنه بلفظ يقبل الانطباق على المفرد و الجمع معا كقولنا: فنجعل لعنة الله على من كان كاذبا فالكلام يدل على تحقق كاذبين بوصف الجمع في أحد طرفي المحاجة و المباهلة على أي حال: إما في جانب النبي ص و إما في جانب النصارى، و هذا يعطي أن يكون الحاضرون للمباهلة شركاء في الدعوى فإن الكذب لا يكون إلا في دعوى فلمن حضر مع رسول الله ص، و هم علي و فاطمة و الحسنان ع شركة في الدعوى و الدعوة مع رسول الله ص و هذا من أفضل المناقب التي خص الله به أهل بيت نبيه ع كما خصهم باسم الأنفس و النساء و الأبناء لرسوله ص من بين رجال الأمة و نسائهم و أبنائهم.
فإن قلت: قد مر أن القرآن يكثر إطلاق لفظ الجمع في مورد المفرد و أن إطلاق النساء في الآية مع كون من حضرت منهن للمباهلة منحصرة في فاطمة ع فما المانع من تصحيح استعمال لفظ الكاذبين بهذا النحو؟.
قلت: إن بين المقامين فارقا و هو أن إطلاق الآيات لفظ الجمع في مورد المفرد إنما هو لكون الحقيقة التي تبينها أمرا جائز التحقق من كثيرين يقضي ذلك بلحوقهم بمورد الآية في الحكم، و أما فيما لا يجوز ذلك لكون مورد الآية مما لا يتعداه الحكم، و لا يشمل غيره الوصف فلا ريب في عدم جوازه نظير قوله تعالى: «وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ»: الأحزاب- 37 و قوله تعالى: «لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ»: النحل- 103 و قوله تعالى: «إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ- إلى أن قال:
وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ»: الأحزاب- 50.
و أمر المباهلة في الآية مما لا يتعدى مورده و هو مباهلة النبي مع النصارى فلو لم يتحقق في المورد مدعون بوصف الجمع في كلا الطرفين لم يستقم قوله: الْكاذِبِينَ بصيغة الجمع البتة.
فإن قلت: كما أن النصارى الوافدين على رسول الله ص أصحاب دعوى و هي أن المسيح هو الله أو ابن الله أو هو ثالث ثلاثة من غير فرق بينهم أصلا و لا بين نسائهم و بين رجالهم في ذلك كذلك الدعوى التي كانت في جانب رسول الله ص و هي أن الله لا إله إلا هو و أن عيسى بن مريم عبده و رسوله كان القائمون بها جميع المؤمنين من غير اختصاص فيه بأحد من بينهم حتى بالنبي ص فلا يكون لمن أحضره فضل على غيره غير أن النبي ص أحضر من أحضر منهم على سبيل الأنموذج لما اشتملت عليه الآية من الأبناء و النساء و الأنفس، على أن الدعوى غير الدعوة و قد ذكرت أنهم شركاء في الدعوة.
قلت: لو كان إتيانه بمن أتى به على سبيل الأنموذج لكان من اللازم أن يحضر على الأقل رجلين و نسوة و أبناء ثلاثة فليس الإتيان بمن أتى به إلا للانحصار و هو المصحح لصدق الامتثال بمعنى أنه لم يجد من يمتثل في الإتيان به أمره تعالى إلا من أتى و هو رجل و امرأة و ابنان.
و إنك لو تأملت القصة وجدت أن وفد نجران من النصارى إنما وفدوا على المدينة ليعارضوا رسول الله ص و يحاجوه في أمر عيسى بن مريم فإن دعوى أنه عبد الله و رسوله إنما كانت قائمة به مستندة إلى الوحي الذي كان يدعيه لنفسه، و أما الذين اتبعوه من المؤمنين فما كان للنصارى بهم شغل و لا لهم في لقائهم هوى كما يدل على ذلك قوله تعالى في صدر الآية: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ، و كذا قوله تعالى- قبل عدة آيات-: فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ.
و من هنا يظهر: أن إتيان رسول الله ص بمن أتى به للمباهلة لم يكن إتيانا بنحو الأنموذج إذ لا نصيب للمؤمنين من حيث مجرد إيمانهم في هذه المحاجة و المباهلة حتى يعرضوا للعن و العذاب المتردد بينهم و بين خصمهم، و إنما أتى ص بمن أتى به من جهة أنه ص كان طرف المحاجة و المداعاة فكان من حقه أن يعرض نفسه للبلاء المترقب على تقدير الكذب فلو لا أن الدعوى كانت قائمة بمن أتى به منهم كقيامها بنفسه الشريفة لم يكن لإتيانه بهم وجه فإتيانه بهم من جهة انحصار من هو قائم بدعواه من الأبناء و النساء و الأنفس بهم لا من جهة الإتيان بالأنموذج فقد صح أن الدعوى كانت قائمة بهم كما كانت قائمة به.
ثم إن النصارى إنما قصدوه ص لا لمجرد أنه كان يرى أن عيسى بن مريم ع عبد الله و رسوله و يعتقد ذلك بل لأنه كان يدعيه و يدعوهم إليه فالدعوة هي السبب العمدة التي بعثهم على الوفود و المحاجة فحضوره و حضور من حضر معه للمباهلة لمكان الدعوى و الدعوة معا فقد كانوا شركاءه في الدعوة الدينية كما شاركوه في الدعوى كما ذكرناه.
فإن قلت: هب أن إتيانه بهم لكونهم منه، و انحصار هذا الوصف بهم لكن الظاهر- كما تعطيه العادة الجارية- أن إحضار الإنسان أحباءه و أفلاذ كبده من النساء و الصبيان في المخاطر و المهاول دليل على وثوقه بالسلامة و العافية و الوقاية فلا يدل إتيانه ص بهم على أزيد من ذلك و أما كونهم شركاء في الدعوة فهو بمعزل عن أن يدل عليه فعله.
قلت: نعم صدر الآية لا يدل على أزيد مما ذكر لكنك قد عرفت أن ذيلها أعني قوله: عَلَى الْكاذِبِينَ، يدل على تحقق كاذبين في أحد طرفي المحاجة و المباهلة البتة، و لا يتم ذلك إلا بأن يكون في كل واحد من الطرفين جماعة صاحبة دعوى إما صادقة أو كاذبة فالذين أتى بهم النبي ص مشاركون معه في الدعوى و في الدعوة كما تقدم فقد ثبت أن الحاضرين كانوا بأجمعهم صاحبي دعوى و دعوة معه ص، و شركاء في ذلك.
فإن قلت: لازم ما ذكرته كونهم شركاء في النبوة.
قلت: كلا فقد تبين فيما أسلفناه من مباحث النبوة أن الدعوة و التبليغ ليسا بعين النبوة و البعثة و إن كانا من شئونها و لوازمها، و من المناصب و المقامات الإلهية التي يتقلدها، و كذا تبين مما تقدم من مبحث الإمامة أيضا أنهما ليسا بعين الإمامة و إن كانا من لوازمها بوجه.