الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل‏ (محمود زمخشرى)

[سورة آل‏ عمران (3): آية 61]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
فَمَنْ حَاجَّكَ من النصارى فِيهِ في عيسى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أى من البينات الموجبة للعلم تَعالَوْا هلموا. و المراد المجي‏ء بالرأى و العزم، كما نقول تعال نفكر في هذه المسألة نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ أى يدع كل منى و منكم أبناءه و نساءه و نفسه إلى المباهلة ثُمَّ نَبْتَهِلْ ثم نتباهل بأن نقول بهلة اللَّه على الكاذب منا و منكم. و البهلة بالفتح، و الضم: اللعنة. و بهله اللَّه لعنه و أبعده من رحمته من قولك «أبهله» إذا أهمله. و ناقة باهل: لاصرار عليها (قوله «و ناقة باهل لاصرار عليها» في الصحاح صررت الناقة شددت عليها الصرار، و هو خيط يشد فوق الخلف و التودية، لئلا يرضعها ولدها. و فيه الخلف: حلمة ضرع الناقة. و فيه التودية: خشبة تشد عليه) و أصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه و إن لم يكن التعانا. و روى «أنهم لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع و ننظر، فلما تخالوا قالوا للعاقب و كان ذا رأيهم: يا عبد المسيح، ما ترى؟ فقال و اللَّه لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبىٌّ مرسل، و قد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، و اللَّه ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم و لا نبت صغيرهم، و لئن فعلتم لتهلكنّ فإن أبيتم إلا إلف دينكم و

الإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل و انصرفوا إلى بلادكم، فأتى رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم و قد غدا محتضنا الحسين آخذاً بيد الحسن و فاطمة تمشى خلفه و علىٌّ خلفها و هو يقول: «إذا أنا دعوت فأمّنوا» فقال أسقف نجران (قوله «فقال أسقف نجران يا معشر النصارى» أى حبرهم عبد المسيح اه): يا معشر النصارى، إنى لأرى وجوها لو شاء اللَّه أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك و أن نقرّك على دينك و نثبت على ديننا قال «فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم» فأبوا. قال: «فإنى أناجزكم» فقالوا:
ما لنا بحرب العرب طاقة، و لكن نصالحك على أن لا تغزونا و لا تخيفنا و لا ترددنا عن ديننا على أنّ نؤدي إليك كل عام ألفى حلة: ألف في صفر، و ألف في رجب، و ثلاثين درعا عادية من حديد. فصالحهم على ذلك (أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة، من طريق محمد بن مروان السدى عن الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس بطوله و ابن مروان متروك متهم بالكذب ثم أخرج أبو نعيم نحوه عن الشعبي مرسلا، و فيه «فان أبيتم المباهلة فأسلموا و لكم ما للمسلمين و عليكم ما عليهم، فان أبيتم فأعطونا الجزية، كما قال اللَّه تعالى. قالوا: ما نملك إلا أنفسنا قال: فان أبيتم فانى أنبذ إليكم على سواء، فقالوا: لا طاقة لنا بحرب العرب، و لكن نؤدي الجزية، فجعل عليهم في كل سنة ألفى حلة: ألفاً في صفر، و ألفاً في رجب، فقال صلى اللَّه عليه و سلم: لقد أتانى البشير بهلكة أهل نجران لو تموا على الملاعنة» رواه الطبري من طريق أبى إسحاق، حدثني محمد بن جعفر بن الزبير في قوله: (إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) فذكره مرسلا، و في سنن أبى داود من حديث ابن عباس «صالح النبي صلى اللَّه عليه و سلم أهل نجران على ألفى حلة النصف في صفر، و البقية في رجب يؤدونه إلى المسلمين، و عارية ثلاثين درعا و ثلاثين فرساً و ثلاثين بعيراً، و ثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح يغزون بها و المسلمون ضامنون لها حتى يردوها عليهم» و هو طرف من هذه القصة) و قال: «و الذي نفسي بيده، إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران و لو لاعنوا لمسخوا قردة و خنازير، و لاضطرم عليهم الوادي ناراً، و لاستأصل اللَّه نجران و أهله حتى الطير على رؤس الشجر، و لما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا» و عن عائشة رضى اللَّه عنها أنّ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلم خرج و عليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم على، ثم قال: (أخرجه مسلم من طريق صفية بنت شيبة عنها. و غفل الحاكم فاستدركه) (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ) فإن قلت. ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلا ليتبين الكاذب منه و من خصمه و ذلك أمر يختص به و بمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء و النساء؟ قلت: ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله و استيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزته و أفلاذ كبده (قوله «و أفلاذ كبده و أحب الناس إليه» في الصحاح: الفلذ: كبد البعير. و الجمع: أفلاذ. و الفلذة: القطعة من الكبد و اللحم و المال و غيرها، و الجمع فلذ اه، فتدبر) و أحب الناس إليه لذلك و لم يقتصر على تعريض نفسه له، و على ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته و أعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة. و خص الأبناء و النساء لأنهم أعز الأهل و ألصقهم بالقلوب، و ربما فداهم الرجل بنفسه و حارب دونهم حتى يقتل. و من ثمة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، و يسمون الذادة عنها بأرواحهم حماة الحقائق. و قدمهم‏ في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم و قرب منزلتهم، و ليؤذن بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها. و فيه دليل لا شي‏ء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء عليهم السلام. و فيه برهان واضح على صحة نبوة النبي صلى اللَّه عليه و سلم لأنه لم يرو أحد من موافق و لا مخالف أنهم أجابوا إلى ذلك.