روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم‏ (سید محمود آلوسى)

و القول- بأنه خلق من الهواء كما خلق آدم من التراب- مما لا مستند له من عقل و لا نقل «و نفخنا فيه من روحنا» (كذا في الأصل، و القراءة في مصاحفنا فَنَفَخْنا ...) لا يدل عليه بوجه أصلا الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ خبر لمحذوف أي هو الحق، و هو راجع إلى البيان، و القصص المذكور سابقا، و الجار و المجرور حال من الضمير في الخبر، و جوز أن يكون الْحَقُّ مبتدأ، و مِنْ رَبِّكَ خبره، و رجح الأول بأن المقصود الدلالة على كون عيسى مخلوقا كآدم عليهما السلام هو الْحَقُّ لا ما يزعمه النصارى، و تطبيق كونهما مبتدأ و خبرا على هذا المعنى لا يتأتى إلا بتكلف إرادة أن كل حق، أو جنسه من اللّه تعالى، و من جملته هذا الشان، أو حمل اللام على العهد بإرادة الْحَقُّ المذكور، و لا يخفى ما في التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره صلى اللّه تعالى عليه و سلم من اللطافة الظاهرة فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ خطاب له صلى اللّه تعالى عليه و سلم، و لا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه عليه الصلاة و السلام كما في قوله تعالى: «فلا تكونن من المشركين» (كذا في الأصل، و القراءة في مصاحفنا وَ لا تَكُونَنَّ) بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين:
 «إحداهما» أنه صلى اللّه تعالى عليه و سلم إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نورا على نور «و ثانيتهما» أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع و ينزجر عما يورث الامتراء لأنه صلى اللّه تعالى عليه و سلم مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات اللّه تعالى و سلامه عليه و لطف بغيره، و جوز أن يكون خطابا لكل من يقف عليه و يصلح

للخطاب فَمَنْ حَاجَّكَ أي جادلك و خاصمك من وفد نصارى نجران إذ هم المتصدون لذلك فِيهِ أي في شأن عيسى‏ عليه السلام لأنه المحدث عنه و صاحب القصة، و قيل: الضمير للحق المتقدم لقربه و عدم بعد المعنى مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أي الآيات الموجبة للعلم، و إطلاق العلم عليها إما حقيقية لأنها كما قيل: نوع منه، و إما مجاز مرسل، و القرينة عليه ذكر المحاجة المقتضية للأدلة، و الجار و المجرور الأخير حال من فاعل جاءَكَ الراجع إلى ما الموصولة، و مِنْ من ذلك تبعيضية، و قيل: لبيان الجنس فَقُلْ أي لمن حاجّك- تَعالَوْا أي أقبلوا بالرأي و العزيمة، و أصله طلب الإقبال إلى مكان مرتفع، ثم توسع فيه فاستعمل في مجرد طلب المجي‏ء نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ أي يدع كل منا و منكم أبناءه و نساءه و نفسه للمباهلة، و في تقديم من قدم على النفس في المباهلة مع أنها من مظان التلف و الرجل يخاطر لهم بنفسه إيذانا بكمال أمنه صلى اللّه تعالى عليه و سلم و كمال يقينه في إحاطة حفظ اللّه تعالى بهم، و لذلك- مع رعاية الأصل في الصيغة فإن غير المتكلم تبع له في الاسناد- قدم صلى اللّه تعالى عليه و سلم جانبه على جانب المخاطبين ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل، فالافتعال هنا بمعنى المفاعلة، و افتعل و تفاعل أخوان في كثير من المواضع- كاشتور و تشاور، و اجتور و تجاور. و الأصل في البهلة- بالضم، و الفتح فيه- كما قيل- اللعنة، و الدعاء بها، ثم شاعت في مطلق الدعاء كما يقال: فلان يبتهل إلى اللّه تعالى في حاجته، و قال الراغب: بهل الشي‏ء و البعير إهماله و تخليته ثم استعمل في الاسترسال في الدعاء سواء كان لعنا أو لا إلا أنه هنا يفسر باللعن لأنه المراد الواقع كما يشير إليه قوله تعالى: فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أي في أمر عيسى عليه السلام فإنه معطوف على نبتهل مفسر للمراد منه أي نقول لعنة اللّه على الكاذبين، أو اللهم العن الكاذبين.
أخرج البخاري، و مسلم «أن العاقب و السيد أتيا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه: لا تلاعنه فو اللّه لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن و لا عقبنا من بعدنا فقالوا له: نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال: قم يا أبا عبيدة فلما قام قال هذا أمين هذه الأمة،
و أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء، و الضحاك عن ابن عباس «أن ثمانية من أساقفة أهل نجران قدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم منهم العاقب، و السيد فأنزل اللّه تعالى فَقُلْ تَعالَوْا الآية فقالوا: أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بني قريظة، و النضير، و بني قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم أن يصالحوه و لا يلاعنوه، و قالوا: هو النبي الذي نجده في التوراة فصالحوا النبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم على ألف حلة في صفر و ألف في رجب و دراهم» و روي أنهم صالحوه على أن يعطوه في كل عام ألفي حلة و ثلاثا و ثلاثين درعا و ثلاثة و ثلاثين بعيرا و أربعا و ثلاثين فرسا.
و أخرج في الدلائل أيضا من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس «أن وفد نجران من النصارى قدموا على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم و هم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد- و هو الكبير- و العاقب- و هو الذي يكون بعده و صاحب رأيهم- فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: أسلما قالا: أسلمنا قال: ما أسلمتما قالا: بلى قد أسلمنا قبلك قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام ثلاث فيكما، عبادتكما الصليب، و أكلكما الخنزير، و زعمكما أن للّه ولدا، و نزل إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ الآية فلما قرأها عليهم قالوا: ما نعرف ما تقول، و نزل فَمَنْ حَاجَّكَ الآية فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: إن اللّه تعالى قد أمرني إن لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا: يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض و تصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب: قد و اللّه علمتم أن الرجل نبي مرسل و لئن لاعنتموه أنه لاستئصالكم و ما لاعن قوم نبيا قط فبقي كبيرهم و لا نبث صغيرهم فإن أنتم لن تتبعوه و أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه و ارجعوا إلى بلادكم و قد كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم خرج و معه علي، و الحسن، و الحسين، و فاطمة فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم: إن أنا دعوت فآمنوا أنتم فأبوا أن يلاعنوه و صالحوه على الجزية».
و عن الشعبي فقال رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه: «لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة» و عن جابر «و الذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا». و روي أن أسقف نجران «لما رأى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم مقبلا و معه علي، و فاطمة، و الحسنان رضي اللّه عنهم قال: يا معشر النصارى: إني لأرى وجوها لو سألوا اللّه تعالى أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تباهلوا و تهلكوا».
هذا و إنما ضم رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم إلى النفس الأبناء و النساء مع أن القصد من المباهلة تبين الصادق من الكاذب و هو يختص به و بمن يباهله لأن ذلك أتم في الدلالة على ثقته بحاله و استيقانه بصدقه، و أكمل نكاية بالعدو و أوفر إضرارا به لو تمت المباهلة، و في هذه القصة أوضح دليل على نبوته صلى اللّه تعالى عليه و سلم و إلا لما امتنعوا عن مباهلته، و دلالتها على فضل آل اللّه و رسوله صلى اللّه تعالى عليه و سلم مما لا يمتري فيها مؤمن، و النصب جازم الإيمان، و استدل بها الشيعة على أولوية علي كرم اللّه تعالى وجهه بالخلافة بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم بنار على رواية مجي‏ء علي كرم اللّه تعالى وجهه مع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم، و وجه أن المراد حينئذ بأبنائنا الحسن. و الحسين، و بنسائنا فاطمة، و بأنفسنا الأمير، و إذا صار نفس الرسول- و ظاهر أن المعنى الحقيقي مستحيل- تعين أن يكون المراد المساواة، و من كان مساويا للنبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم؟! فهو أفضل و أولى بالتصرف من غيره، و لا معنى للخليفة إلا ذلك، و أجيب عن ذلك أما أولا فبأنا لا نسلم أن المراد بأنفسنا الأمير بل المراد نفسه الشريفة صلى اللّه تعالى عليه و سلم، و يجعل الأمير داخلا في الأبناء، و في العرف يعد الختن ابنا من غير ريبة، و يلتزم عموم المجاز إن قلنا: إن إطلاق الابن على ابن البنت حقيقة، و إن قلنا: إنه مجاز لم يحتج إلى القول بعمومه و كان إطلاقه على الأمير و ابنيه رضي اللّه تعالى عنهم على حد سواء في المجازية.
و قول الطبرسي، و غيره من علمائهم- إن إرادة نفسه الشريفة صلى اللّه تعالى عليه و سلم من أنفسنا لا تجوز لوجود نَدْعُ و الشخص لا يدعو نفسه- هذيان من القول، إذ قد شاع و ذاع في القديم و الحديث- دعته- نفسه إلى كذا، و دعوت نفسي إلى كذا، و طوعت له نفسه، و آمرت نفسي، و شاورتها إلى غير ذلك من الاستعمالات الصحيحة الواقعة في كلام البلغاء فيكون حاصل نَدْعُ أَنْفُسَنا نحضر أنفسنا و أي محذور في ذلك على أنا لو قررنا الأمير من قبل النبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم إياهم و أبناءهم و نساءهم بعد قوله: تَعالَوْا كما لا يخفى.
و أما ثانيا فبأنّا لو سلمنا أن المراد بأنفسنا الأمير لكن لا نسلم أن المراد من النفس ذات الشخص إذ قد جاء لفظ النفس بمعنى القريب و الشريك في الدين و الملة. و من ذلك قوله تعالى «يخرجون أنفسهم من ديارهم» (لا يوجد آية بهذا النص، و الذي في الآية 85 من سورة البقرة: وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ) وَ لا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: 11] لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً [النور: 12] فلعله لما كان للأمير اتصال بالنبي صلى اللّه تعالى عليه و سلم في النسب و المصاهرة و اتحاد في الدين عبر عنه بالنفس، و حينئذ لا تلزم المساواة التي هي عماد استدلالهم على أنه لو كان المراد مساواته في جميع الصفات يلزم الاشتراك في النبوة و الخاتمية و البعثة إلى كافة الخلق و نحو ذلك- و هو باطل بالإجماع- لأن التابع دون المتبوع و لو كان المراد المساواة في البعض لم يحصل الغرض لأن المساواة في بعض صفات الأفضل و الأولى بالتصرف لا تجعل من هي له أفضل‏ و أولى بالتصرف بالضرورة، و أما ثالثا فبأن ذلك لو دل على خلافة الأمير كما زعموا لزم كون الأمير إماما في زمنه صلى اللّه تعالى عليه و سلم- و هو باطل بالاتفاق- و إن قيد بوقت دون وقت فمع أن التقييد مما لا دليل عليه في اللفظ لا يكون مفيدا للمدعي إذ هو غير متنازع فيه لأن أهل السنة يثبتون إمامته في وقت دون وقت فلم يكن هذا الدليل قائما في محل النزاع، و لضعف الاستدلال به في هذا المطلب بل عدم صحته كالاستدلال به على أفضلية الأمير علي كرم اللّه تعالى وجهه على الأنبياء و المرسلين عليهم السلام لزعم ثبوت مساواته للأفضل منهم فيه لم يقمه محققو الشيعة على أكثر من دعوى كون الأمير، و البتول، و الحسين أعزة على رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم كما صنع عبد اللّه المشهدي في كتابه- إظهار الحق.
و قد أخرج مسلم، و الترمذي، و غيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: «لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ إلخ دعا رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم عليا، و فاطمة، و حسنا، و حسينا فقال: اللهم هؤلاء أهلي»
و هذا الذي ذكرناه من دعائه صلى اللّه تعالى عليه و سلم هؤلاء الأربعة المتناسبة رضي اللّه تعالى عنهم هو المشهور المعول عليه لدى المحدثين.
و أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه رضي اللّه تعالى عنهم «أنه لما نزلت هذه الآية جاء بأبي بكر، و ولده، و بعمر، و ولده، و بعثمان، و ولده، و بعلي، و ولده»
و هذا خلاف ما رواه الجمهور.
و استدل ابن أبي علان من المعتزلة بهذه القصة أيضا على أن الحسنين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين، و ذهب الإمامية إلى أنها يشترط فيها كمال العقل و التمييز، و حصول ذلك لا يتوقف على البلوغ فقد يحصل كمال قبله ربما يزيد على كمال البالغين فلا يمتنع أن يكون الحسنان إذ ذاك غير بالغين إلا أنهما في سن لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أنه يجوز أن يخرق اللّه تعالى العادات لأولئك السادات و يخصهم بما لا يشاركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم و دلالة على مكانهم من اللّه تعالى و اختصاصهم به- و هم القوم الذين لا تحصى خصائصهم.
و ذهب النواصب إلى أن المباهلة جائزة لإظهار الحق إلى اليوم إلا أنه يمنع فيها أن يحضر الأولاد و النساء، و زعموا رفعهم اللّه تعالى لا قدرا، و حطهم و لا حط عنهم وزرا أن ما وقع منه صلى اللّه تعالى عليه و سلم كان لمجرد إلزام الخصم و تبكيته و أنه لا يدل على فضل أولئك الكرام على نبينا و عليهم أفضل الصلاة و أكمل السلام، و أنت تعلم أن هذا الزعم ضرب من الهذيان، و أثر من مس الشيطان:
         و ليس يصح في الأذهان شي‏ء             إذا احتاج النهار إلى دليل‏
 و من ذهب إلى جواز المباهلة اليوم على طرز ما صنع رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه و سلم استدل بما أخرجه عبد بن حميد عن قيس بن سعد أن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما كان بينه و بين آخر شي‏ء فدعاه إلى المباهلة، و قرأ الآية و رفع يديه فاستقبل الركن و كأنه يشير بذلك رضي اللّه تعالى عنه إلى كيفية الابتهال و أن الأيدي ترفع فيه، و فيما أخرجه الحاكم تصريح بذلك و أنها ترفع حذو المناكب إِنَّ هذا أي المذكور في شأن عيسى عليه السلام قاله ابن عباس.