مجمع البيان فى تفسير القرآن‏ (فضل بن حسن‏ طبرسی)

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 59 الى 61]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)

اللغة
المثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول و تعالوا أصله من العلو يقال تعاليت أتعالى أي جئت و أصله المجي‏ء إلى ارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم و قيل في الابتهال قولان (أحدهما) أنه بمعنى الالتعان و افتعلوا بمعنى تفاعلوا كقولهم اشتوروا بمعنى تشاوروا مهلة الله أي لعنه الله و عليه مهلة الله أي لعنة الله (و الآخر) أنه بمعنى الدعاء بالهلاك قال لبيد: نظر الدهر إليهم فابتهل‏
أي دعا عليهم بالهلاك فالبهل كاللعن و هو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته و لذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما.


الإعراب‏

قوله «خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ» لا موضع له من الإعراب لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم من حيث هو نكرة و لا يكون حالا له لأنه ماض فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الاتصال فيكون الرفع على تقدير فهو يكون و «الْحَقُّ» رفع لأنه خبر مبتدإ محذوف و تقديره ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك فحذف ذلك لدلالة شاهد الحال عليه كما يقال الهلال و الله أي هذا الهلال و قيل الحق مبتدأ و خبره قوله «مِنْ رَبِّكَ».
النزول‏
قيل نزلت الآيات في وفد نجران العاقب و السيد و من معهما قالوا لرسول الله هل رأيت ولدا من غير ذكر فنزل «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» الآيات فقرأها عليهم عن ابن عباس و قتادة و الحسن فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة استنظروه إلى صبيحة عد من يومهم ذلك فلما رجعوا إلى رجالهم قال لهم الأسقف انظروا محمدا في غد فإن غدا بولده و أهله فاحذروا مباهلته و إن غدا بأصحابه فباهلوه فإنه على غير شي‏ء فلما كان الغد جاء النبي ص آخذا بيد علي بن أبي طالب (ع) و الحسن (ع) و الحسين (ع) بين يديه يمشيان و فاطمة (ع) تمشي خلفه و خرج النصارى يقدمهم أسقفهم فلما رأى النبي ص قد أقبل بمن معه سأل عنهم فقيل له هذا ابن عمه و زوج ابنته و أحب الخلق إليه و هذان ابنا بنته من علي (ع) و هذه الجارية بنته فاطمة أعز الناس عليه و أقربهم إلى قلبه و تقدم رسول الله ص فجشا على ركبتيه قال أبو حارثة الأسقف جثا و الله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع و لم يقدم على المباهلة فقال السيد ادن يا أبا حارثة للمباهلة فقال لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة و أنا أخاف أن يكون صادقا و لئن كان صادقا لم يحل و الله علينا الحول و في الدنيا نصراني يطعم الماء فقال الأسقف يا أبا القاسم إنا لا نباهلك و لكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به فصالحهم رسول الله ص على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما فما زاد أو نقص فعلى حساب ذلك و على عارية ثلاثين درعا و ثلاثين رمحا و ثلاثين فرسا إن كان باليمن كيد و رسول الله ضامن حتى يؤديها و كتب لهم بذلك كتابا و روي أن الأسقف قال لهم إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله فلا تبتهلوا فتهلكوا و لا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة و قال النبي و الذي نفسي بيده لو لا عنوني لمسخوا قردة و خنازير و لاضطرم الوادي عليهم نارا و لما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم‏. قالوا فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد و العاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي و أهدى العاقب له حلة و عصا و قدحا و نعلين و أسلما.


المعنى‏
ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله فقال «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ» أي مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب و لا أم فليس هو بأبدع و لا أعجب من ذلك فكيف أنكروا هذا و أقروا بذلك ثم بين سبحانه كيف خلقه فقال «خَلَقَهُ» أي أنشأه «مِنْ تُرابٍ» و هذا إخبار عن آدم و معناه خلق عيسى من الريح و لم يخلق قبل أحدا من الريح كما خلق آدم من التراب و لم يخلق قبله أحدا من التراب «ثُمَّ قالَ لَهُ» أي لآدم و قيل لعيسى «كُنْ» أي كن حيا بشرا سويا «فَيَكُونُ» أي فكان في الحال على ما أراد و قد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا و في هذه الآية دلالة على صحة النظر و الاستدلال لأن الله احتج على النصارى و دل على جواز خلق عيسى من غير أب كخلقه آدم من غير أب و لا أم «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» أي هذا هو الحق من ربك أضاف إلى نفسه تأكيدا و تعليلا أي هو الحق لأنه من ربك «فَلا تَكُنْ» أيها السامع «مِنَ الْمُمْتَرِينَ» و قد مر تفسيره في سورة البقرة «فَمَنْ حَاجَّكَ» معناه فمن خاصمك و جادلك يا محمد «فِيهِ» أي في قصة عيسى «مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ» أي من البرهان الواضح على أنه عبدي و رسولي عن قتادة في معناه و قيل فمن حاجك في الحق و الهاء في فيه عائدة إلى قوله «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ» «فَقُلْ» يا محمد لهؤلاء النصارى «تَعالَوْا» إلى كلمة أي هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة تميز الصادق من الكاذب «نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ» أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن و الحسين قال أبو بكر الرازي هذا يدل على أن الحسن و الحسين ابنا رسول الله و أن ولد الابنة ابن في الحقيقة و قال ابن أبي علان و هو أحد أئمة المعتزلة هذا يدل على أن الحسن و الحسين كانا مكلفين في تلك الحال لأن المباهلة لا تجوز إلا مع البالغين و قال أصحابنا إن صغر السن و نقصانها عن حد بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل و إنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية و قد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة و يخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم و دلالة على مكانهم من الله تعالى و اختصاصهم و مما يؤيده‏ من الأخبار قول النبي ص ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا «وَ نِساءَنا» اتفقوا على أن المراد به فاطمة (ع) لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء و هذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء و يعضده‏ ما جاء في الخبر أن النبي ص قال فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها و قال إن الله يغضب لغضب فاطمة و يرضى لرضائها.
و قد صح عن حذيفة أنه قال سمعت النبي ص يقول أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي‏.
و عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت فسألتها فقالت قال لي أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك‏.
«وَ نِساءَكُمْ» أي من شئتم من نسائكم «وَ أَنْفُسَنا» يعني عليا خاصة و لا يجوز أن يكون المعني به النبي ص لأنه هو الداعي و لا يجوز أن يدعو الإنسان نفسه و إنما يصح أن يدعو غيره و إذا كان قوله «وَ أَنْفُسَنا» لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول وجب أن يكون إشارة إلى علي لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي و زوجته و ولديه في المباهلة و هذا يدل على غاية الفضل و علو الدرجة و البلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد إذ جعله الله نفس الرسول و هذا ما لا يدانيه فيه أحد و لا يقاربه و مما يعضده من الروايات‏ ما صح عن النبي إنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل فعلي فقال ما سألتني عن الناس و لم تسألني عن نفسي‏.
و قوله لبريدة الأسلمي يا بريدة لا تبغض عليا فإنه مني و أنا منه إن الناس خلقوا من شجر شتى و خلقت أنا و علي من شجرة واحدة
و قوله (ع) بأحد و قد ظهرت نكايته في المشركين و وقايته إياه بنفسه حتى قال جبرائيل إن هذا لهي المواساة فقال يا جبرائيل أنه مني و أنا منه فقال جبرائيل و أنا منكما
«وَ أَنْفُسَكُمْ» يعني من شئتم من رجالكم «ثُمَّ نَبْتَهِلْ» أي نتضرع في الدعاء عن ابن عباس و قيل نلتعن فنقول لعن الله الكاذب «فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ» منا و في هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي لأنهم امتنعوا عن المباهلة و أقروا بالذل و الخزي لقبول الجزية فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال و لو لم يكن النبي ص متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه لما أدخل أولاده و خواص أهله في ذلك مع شدة إشفاقه عليهم.