الدر المنثور فى تفسير المأثور (جلال الدين‏ سيوطی)

و أخرج ابن المنذر عن الشعبي قال قدم وفد نجران على رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا حدثنا عن عيسى بن مريم قال رَسُولُ اللَّهِ وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ قالوا ينبغي لعيسى أن يكون فوق هذا فانزل الله إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ الآية قالوا ما ينبغي لعيسى أن يكون مثل آدم فانزل الله فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الآية.
و أخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث بن جزء الزبيدي انه سمع النبي صلى الله عليه و سلم يقول ليت بيني و بين أهل نجران حجابا فلا أراهم و لا يرونى من شدة ما كانوا يمارون النبي صلى الله عليه و سلم‏.
و أخرج البيهقي في الدلائل من طريق سلمة بن عبد يشوع عن أبيه عن جده ان رسول الله صلى الله عليه و سلم كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان بسم الله اله ابراهيم و إسحاق و يعقوب من محمد رسول الله إلى أسقف نجران و أهل نجران ان أسلمتم فانى أحمد إليكم الله اله ابراهيم و إسحاق و يعقوب أما بعد فانى أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد وادعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد فان أبيتم فالجزية و ان أبيتم فقد آذنتكم بالحرب و السلام فلما قرأ الأسقف الكتاب فظع به و ذعر ذعرا شديدا فبعث إلى رجل من أهل نجران يقال له شرحبيل بن وداعة فدفع اليه كتاب النبي صلى الله عليه و سلم فقرأه فقال له الأسقف ما رأيك فقال شرحبيل قد علمت ما وعد الله ابراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة فما يؤمن أن يكون هذا الرجل ليس لي في النبوة رأى لو كان رأى من أمر الدنيا أشرت عليك فيه و جهدت لك فبعث الأسقف إلى واحد بعد

واحد من أهل نجران فكلهم قال مثل قول شرحبيل فاجتمع رأيهم على أن يبعثوا شرحبيل بن وداعة و عبد الله بن شرحبيل و جبار بن فيض فيأتونهم بخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم فانطلق الوفد حتى أتوا رسول الله صلى الله عليه و سلم فسألهم و سألوه فلم تزل به و بهم المسألة حتى قالوا له ما تقول في عيسى بن مريم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما عندي فيه شي يومى هذا فأقيموا حتى أخبركم بما يقال لي في عيسى صبح الغد فانزل الله هذه الآية إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ إلى قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فأبوا أن يقروا بذلك فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه و سلم الغد بعد ما أخبرهم الخبر أقبل مشتملا على الحسن و الحسين في خميلة له و فاطمة تمشى خلف ظهره للملاعنة و له يومئذ عدة نسوة فقال شرحبيل لصاحبيه انى أرى أمرا مقبلا ان كان هذا الرجل نبيا مرسلا فلاعناه لا يبقى على وجه الأرض منا شعر و لا ظفر الا هلك فقالا له ما رأيك فقال رأى أن أحكمه فانى أرى رجلا لا يحكم شططا أبدا فقالا له أنت و ذاك فتلقى شرحبيل رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال انى قد رأيت خيرا من ملاعنتك قال و ما هو قال حكمك اليوم إلى الليل و ليلتك إلى الصباح فمهما حكمت فينا فهو جائز فرجع رسول الله صلى الله عليه و سلم و لم يلاعنهم و صالحهم على الجزية.
و أخرج البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و أبو نعيم في الدلائل عن حذيفة ان العاقب و السيد أتيا رسول الله صلى الله عليه و سلم فأراد أن يلاعنهما فقال أحدهما لصاحبه لا تلاعنه فو الله لئن كان نبيا فلاعننا لا نفلح نحن و لا عقبنا من بعدنا فقالوا له نعطيك ما سألت فابعث معنا رجلا أمينا فقال قم يا أبا عبيدة فلما قفا قال هذا أمين هذه الامة.
و أخرج الحاكم و صححه و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن جابر قال قدم على النبي صلى الله عليه و سلم العاقب و السيد فدعاهما إلى الإسلام فقالا أسلمنا يا محمد قال كذبتما إن شئتما أخبرتكما بما يمنعكما من الإسلام قالا فهات قال حب الصليب و شرب الخمر و أكل لحم الخنزير قال جابر فدعاهما إلى الملاعنة فوعداه إلى الغد فغدا رسول الله صلى الله عليه و سلم و أخذ بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين ثم أرسل إليهما فأبيا أن يجيباه و أقرا له فقال و الذي بعثني بالحق لو فعلا لأمطر الوادي عليهما نارا قال جابر فيهم نزلت تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ الآية قال جابر أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ رسول الله صلى الله عليه و سلم و علي و أَبْناءَنا الحسن و الحسين وَ نِساءَنا فاطمة.
و أخرج الحاكم و صححه عن جابر ان وفد نجران أتوا النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا ما تقول في عيسى فقال هو روح الله و كلمته و عبد الله و رسوله قالوا له هل لك أن نلاعنك انه ليس كذلك قال و ذاك أحب إليكم قالوا نعم قال فإذا شئتم فجاء و جمع ولده الحسن و الحسين فقال رئيسهم لا تلاعنوا هذا الرجل فو الله لئن لاعنتموه ليخسفن بأحد الفريقين فجاءوا فقالوا يا أبا القاسم انما أراد أن يلاعنك سفهاؤنا و انا نحب أن تعفينا قال قد أعفيتكم ثم قال ان العذاب قد أظل نجران‏.
و أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس ان وفد نجران من النصارى قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم وهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم منهم السيد و هو الكبير و العاقب و هو الذي يكون بعده و صاحب رأيهم فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لهما أسلما قالا أسلمنا قال ما أسلمتما قالا بلى قد أسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكم من الإسلام ثلاث فيكما عبادتكما الصليب و أكلكما الخنزير و زعمكما ان لله ولدا و نزل إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ الآية فلما قرأها عليهم قالوا ما نعرف ما تقول و نزل فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ يقول من جادلك في أمر عيسى من بعد ما جاءك من العلم من القرآن فَقُلْ تَعالَوْا إلى قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ يقول نجتهد في الدعاء ان الذي جاء به محمد هو الحق و ان الذي يقولون هو الباطل فقال لهم ان الله قد أمرني ان لم تقبلوا هذا أن أباهلكم فقالوا يا أبا القاسم بل نرجع فننظر في أمرنا ثم نأتيك فخلا بعضهم ببعض و تصادقوا فيما بينهم قال السيد للعاقب قد و الله علمتم أن الرجل نبي مرسل و لئن لاعنتموه إنه ليستأصلكم و ما لاعن قوم قط نبيا فبقى كبيرهم و لا نبت صغيرهم فإن أنتم إن تتبعوه و أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوه و ارجعوا إلى بلادكم و قد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم خرج و معه علي و الحسن و الحسين و فاطمة فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ان أنا دعوت فأمنوا أنتم فأبوا أن يلاعنوه و صالحوه على الجزية.
و أخرج أبو نعيم في الدلائل من طريق عطاء و الضحاك عن ابن عباس ان ثمانية من أساقف العرب من أهل نجران قدموا على رسول الله صلى الله عليه و سلم منهم العاقب و السيد فأنزل الله فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا إلى قوله ثُمَّ نَبْتَهِلْ يريد ندع الله باللعنة على الكاذب فقالوا أخرنا ثلاثة أيام فذهبوا إلى بنى قريظة و النضير و بنى قينقاع فاستشاروهم فأشاروا عليهم ان يصالحوه و لا يلاعنوه و هو النبي الذي نجده في التوراة فصالحوا النبي صلى الله عليه و سلم على ألف حلة في صفر و ألف في رجب و دراهم‏.
و أخرج عبد بن حميد و ابن جرير و أبو نعيم في الدلائل عن قتادة فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ في عيسى فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا الآية فدعا النبي صلى الله عليه و سلم لذلك وفد نجران وهم الذين حاجوه في عيسى فنكصوا و أبوا و ذكر لنا ان النبي صلى الله عليه و سلم قال ان كان العذاب لقد نزل على أهل نجران و لو فعلوا لاستؤصلوا عن جديد الأرض‏.
و أخرج ابن أبى شيبة و سعيد بن منصور و عبد بن حميد و ابن جرير و أبو نعيم عن الشعبي قال كان أهل نجران أعظم قوم من النصارى قولا في عيسى بن مريم فكانوا يجادلون النبي صلى الله عليه و سلم فيه فانزل الله هذه الآيات في سورة آل عمران إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ إلى قوله فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ فأمر بملاعنتهم فواعدوه لغد فغد النبي صلى الله عليه و سلم و معه الحسن و الحسين و فاطمة فأبوا أن يلاعنوه و صالحوه على الجزية فقال النبي صلى الله عليه و سلم لقد أتانى البشير بهلكة أهل نجران حتى الطير على الشجر لو تموا على الملاعنة.
و أخرج عبد الرزاق و البخاري و الترمذي و النسائي و ابن جرير و ابن المنذر و ابن أبى حاتم و ابن مردويه و أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس قال لو باهل أهل نجران رسول الله صلى الله عليه و سلم لرجعوا لا يجدون أهلا و لا مالا.
و أخرج مسلم و الترمذي و ابن المنذر و الحاكم و البيهقي في سننه عن سعد بن أبى وقاص قال لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم عليا و فاطمة و حسنا و حسينا فقال اللهم هؤلاء أهلي‏.
و أخرج ابن جرير عن علباء بن أحمر اليشكري قال لما نزلت هذه الآية فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ الآية أرسل رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى على و فاطمة و ابنيهما الحسن و الحسين و دعا اليهود ليلاعنهم فقال شاب من اليهود ويحكم أليس عهدكم بالأمس إخوانكم الذين مسخوا قردة و خنازير لا تلاعنوا فانتهوا.
و أخرج ابن عساكر عن جعفر بن محمد عن أبيه في هذه الآية تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا الآية قال فجاء بابى بكر و ولده! و بعمر و ولده! و بعثمان و ولده! و بعلي و ولده‏.
و أخرج ابن المنذر و ابن أبى حاتم من طريق ابن جريج عن ابن عباس ثُمَّ نَبْتَهِلْ نجتهد.
و أخرج الحاكم و صححه و البيهقي في سننه عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال هذا الإخلاص يشير بإصبعه التي تلى الإبهام و هذا الدعاء فرفع يديه حذو منكبيه و هذا الابتهال فرفع يديه مدا.
و أخرج ابن جرير و ابن أبى حاتم عن ابن عباس إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ يقول ان هذا الذي قلنا في عيسى هو الحق‏.
و أخرج عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال كان بين ابن عباس و بين آخر شي فقرأ هذه الآية تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فرفع يديه و استقبل الركن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِين.