جامع البيان فى تفسير القرآن‏ (ابو جعفر محمد بن جرير طبرى)

القول في تأويل قوله تعالى:
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ يعني بقوله جل ثناؤه: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ فمن جادلك يا محمد في المسيح عيسى ابن مريم. و الهاء في قوله: فِيهِ عائدة على ذكر عيسى، و جائز أن تكون عائدة على الحق الذي قال تعالى ذكره: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ و يعني بقوله: مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ من بعد ما جاءك من العلم الذي قد بينته لك في عيسى أنه عبد الله. فَقُلْ تَعالَوْا هلموا فلندع أبناءنا و أبناءكم، و نساءنا و نساءكم، و أنفسنا و أنفسكم، ثُمَّ نَبْتَهِلْ يقول: ثم نلتعن، يقال في الكلام: ما له بهله الله أي لعنه الله، و ما له عليه بهلة الله يريد اللعن. و قال لبيد، و ذكر قوما هلكوا، فقال: نظر الدهر إليهم فابتهل‏، يعني دعا عليهم بالهلاك.

الميزان فى تفسير القرآن‏ (علامه سيد محمد حسين‏ طباطبايى)

[سورة آل‏ عمران (3): الآيات 61 الى 63]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61) إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَ ما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَ إِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)


بيان‏
قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ، الفاء للتفريع، و هو تفريع المباهلة على التعليم الإلهي بالبيان البالغ في أمر عيسى بن مريم ع مع ما أكده في ختمه بقوله: الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ. و الضمير في قوله: فِيهِ راجع إلى عيسى أو إلى الحق المذكور في الآية السابقة.
و قد كان البيان السابق منه تعالى مع كونه بيانا إلهيا لا يرتاب فيه مشتملا على البرهان الساطع الذي يدل عليه قوله: إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ الآية، فالعلم الحاصل فيه علم من جهة البرهان أيضا، و لذلك كان يشمل أثره رسول الله ص و غيره من كل سامع فلو فرض تردد من نفس السامع المحاج من جهة كون البيان وحيا إلهيا لم يجز الارتياب فيه من جهة كونه برهانا يناله العقل السليم، و لعله لذلك قيل: من بعد ما جاءك من العلم و لم يقل: من بعد ما بيناه لهم.
و هاهنا نكتة أخرى و هي أن في تذكيره ص بالعلم تطييبا لنفسه الشريفة أنه غالب بإذن الله، و أن ربه ناصره و غير خاذله البتة.

مجمع البيان فى تفسير القرآن‏ (فضل بن حسن‏ طبرسی)

[سورة آل‏عمران (3): الآيات 59 الى 61]
إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)

اللغة
المثل ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني سبيل الأول و تعالوا أصله من العلو يقال تعاليت أتعالى أي جئت و أصله المجي‏ء إلى ارتفاع إلا أنه كثر في الاستعمال حتى صار بمعنى هلم و قيل في الابتهال قولان (أحدهما) أنه بمعنى الالتعان و افتعلوا بمعنى تفاعلوا كقولهم اشتوروا بمعنى تشاوروا مهلة الله أي لعنه الله و عليه مهلة الله أي لعنة الله (و الآخر) أنه بمعنى الدعاء بالهلاك قال لبيد: نظر الدهر إليهم فابتهل‏
أي دعا عليهم بالهلاك فالبهل كاللعن و هو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته و لذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما.


الإعراب‏

التبيان فى تفسير القرآن‏ (محمد بن حسن طوسى‏)

قوله تعالى: [سورة آل‏عمران (3): آية 61]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
آية بلا خلاف.


المعنى:
الهاء في قوله: «فيه» يحتمل أن تكون عائدة إلى أحد أمرين:
أحدهما- إلى عيسى في قوله: «إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللَّهِ» في قول قتادة.
الثاني- أن تكون عائدة على الحق في قوله «الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ». و الذين دعاهم النبي (ص) في المباهلة نصارى نجران، و لما نزلت الآية أخذ النبي (ص) بيد علي و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام، ثم دعا النصارى إلى المباهلة، فاحجموا عنها، و أقروا بالذلة و الجزية. و يقال: إن بعضهم قال لبعض إن باهلتموه اضطرم الوادي ناراً عليكم و لم يبق نصراني و لا نصرانية إلى يوم القيامة.
و روي أن النبي (ص) قال لأصحابه: مثل ذلك. و لا خلاف بين أهل العلم أنهم لم يجيبوا إلى المباهلة.

مفاتیح الغیب (ابوعبدالله محمد بن عمر فخرالدين رازى)

[سورة آل‏عمران (3): آية 61]
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
اعلم أن اللّه تعالى بيّن في أول هذه السورة وجوهاً من الدلائل القاطعة على فساد قول النصارى/ بالزوجة و الولد، و أتبعها بذكر الجواب عن جميع شبههم على سبيل الاستقصاء التام، و ختم الكلام بهذه النكتة القاطعة لفساد كلامهم، و هو أنه لما لم يلزم من عدم الأب و الأم البشريين لآدم عليه السلام أن يكون ابناً للّه تعالى لم يلزم من عدم الأب البشري لعيسى عليه السلام أن يكون ابناً للّه، تعالى اللّه عن ذلك و لما لم يبعد انخلاق آدم عليه السلام من التراب لم يبعد أيضاً انخلاق عيسى عليه السلام من الدم الذي كان يجتمع في رحم أم عيسى عليه السلام، و من أنصف و طلب الحق، علم أن البيان قد بلغ إلى الغاية القصوى، فعند ذلك قال تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ بعد هذه الدلائل الواضحة و الجوابات اللائحة فاقطع الكلام معهم و عاملهم بما يعامل به المعاند، و هو أن تدعوهم إلى الملاعنة فقال: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ إلى آخر الآية، ثم هاهنا مسائل: